سيد محمد طنطاوي
9
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال - تعالى - : ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ . قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا ، هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ . إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ . فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، ولا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . 7 - وبعد أن تحكى السورة الكريمة ما أعده اللَّه تعالى بفضله وكرمه لعباده المؤمنين ، من جنات النعيم ، ومن خير عميم ، تعود فتحكى ما سيكون عليه الكافرون من هم وغم ، وكرب وبلاء ، بسبب كفرهم ، وتكذيبهم للحق الذي جاءهم به نبيهم صلَّى اللَّه عليه وسلم . قال - تعالى - : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ، إِنَّه لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ . ولَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ . هذِه جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . 8 - ثم تنزه السورة الكريمة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم عما اتهمه به أعداؤه ، من أنه شاعر ، وتسليه عما أصابه منهم ، وتبين للناس أن وظيفته صلَّى اللَّه عليه وسلم إنما هي الإنذار والبلاغ . قال - تعالى - : وما عَلَّمْناه الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَه ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ . لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا ويَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ . إلى أن يقول - سبحانه - : فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ . 9 - ثم تختتم السورة الكريمة بحكاية ما قاله أحد الأشقياء منكرا للبعث والحساب ، وردت عليه وعلى أمثاله برد جامع حكيم ، برشد كل عاقل إلى إمكانية البعث ، وأنه حق لا شك فيه . . . قال - تعالى - : أَولَمْ يَرَ الإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناه مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ . وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَه ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْه تُوقِدُونَ . أَولَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ، بَلى وهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ . إِنَّما أَمْرُه إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ . فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِه مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإِلَيْه تُرْجَعُونَ . 10 - وبعد . فهذا عرض مجمل لسورة « يس » ومنه نرى ، أن هذه السورة الكريمة ، قد اهتمت بإقامة الأدلة على وحدانية اللَّه - تعالى - وعلى كمال قدرته كما اهتمت بإبراز الأدلة المتعددة على أن البعث حق ، وعلى أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه . . . كما اهتمت بضرب الأمثال لبيان حسن عاقبة الأخيار ، وسوء عاقبة الأشرار . كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر ، يغلب عليه قصر الآيات ، وإيراد الشواهد المتنوعة على قدرة